مجموعة مؤلفين
200
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
« وفي أنفسكم أفلا تبصرون » بعين البصيرة النورانية أو اللطيفة الربانية التي ليست في حاجة إلى الحس لترى ، ولا إلى الكواكب وأفلاكها ومحاورها لتتفكر ، ولا إلى فعل الأسباب في مسبباتها لتتدبر ، ولا إلى المنطق لتتعقل ، ولا إلى الفلسفة لتهتدى ، ولا إلى العلم لتسترشد ، وإنما هي تنغمس في بحار الأنوار وتنغمر في لجج الأبهار . غاية ما هنالك أن ذلك الناظر إلى الفتوحات الربانية ، والمتطلع إلى المعارف اللدنية عليه مجهودات لا بد من بذلها ، وفي طريقه عقبات لا مناص من تخطيها ، وأمامه درجات لا مفر من الصعود إليها . وأول تلك المجهودات هو التخلص من عبودية البدن ، وأهم تلك العقبات عقبة الفتنة والغرور المنتهيين دائما بصاحبهما إلى الهوى في حضيض البعد عن الفيض الإلهى ، والحرمان من الفتح الصمداني ، وليس هناك نتيجة أسبق إلى القلب من الظلام وامتلاء الفؤاد بالاسوداد « بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » « ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور » . ودنيا تلك الدرجات هي درجة الطاعة الراضية ، والعبادة الصافية ، ومحاولة القرب ، والإخلاص في الحب ، وإيقاظ القلب ، ليكشف ما لم يحط به اللب ، وليعلم أن النور هو الذي يبدد الظلام ، وأن البرهان يتجه من اللّه نحو الأنام ، وأن قدسيته دليل وجود القريب والبعيد « أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد » . وهو يصور لنا هذا فيقول : « لقد نظرنا بقوة العقل وما أعطاه العقل الكامل بعد جده واجتهاده الممكن فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته ، لأنا طلبنا أن نعرفه كما نطلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي الأشياء عليها ، فما عرفنا إلا أن ثم موجودا ليس له مثل ، ولا يتصور في الذهن ولا يدرك ، فكيف يضبطه العقل ؟ وهذا مما لا يجوز مع ثبوت العلم لوجوده ، فنحن